ابن القلانسي
528
تاريخ دمشق
والصحراء ، وأقاموا عدة ليال ( 187 ظ ) وأيام على الخوف والجزع . يسبّحون ويهللون ، ويرغبون إلى خالقهم ورازقهم في العفو عنهم ، واللطف بهم ، واللّه تعالى ولي الإجابة ، وقبول الرغبة والإنابة . ووردت الأخبار مع ذلك من ناحية العراق في أوائل رجب سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة بوفاة السلطان غياث الدنيا والدين أبي الحارث سنجر ابن السلطان العادل أبي الفتح بن السلطان ألب أرسلان ، وهو سلطان خراسان ، عقيب خلاصه من الشدة التي وقع فيها ، والأسر الذي حصل فيه وكان يحب العدل والانصاف للرعايا ، حسن الفعل ، جميل السيرة ، وقد علت سنّه وطال عمره ، وتولاه اللّه برحمته وسابغ مغفرته بفضله ورأفته . وفي شهر رمضان من السنة ورد الخبر من ناحية حلب ، بوفاة الشيخ الأمين مخلص الدين أبي البركات عبد القاهر بن علي بن أبي جرادة رحمه اللّه في العشر الثاني منه ، بمرض عرض له ، وهو الأمين على خزائن مال الملك العادل نور الدين سلطان الشام ، فراعني فقده ، والمصاب بمثله ، لأنه كان خيّرا كاتبا بليغا ، حسن البلاغة نظما ونثرا ، مستحسن الفنون من التذهيب البديع ، وحسن الخط المحرر على الأصول القديمة المستظرفة ، مع صفاء الذهن ، وتوقد الفطنة والذكاء ، وكان بيني وبينه مودة محصدة « 1 » الأسباب في أيام الصبى وبعدها بحكم تردده من حلب إلى دمشق ، وأوجبت هذه الحال تفجّعي به ، وتأسفي على مثله ، نظم هذه الأبيات أرثيه بها وأصف محاسنه فيها ، وهي : فجعت بخل كان يونس وحشتي * تذكره في غيبة وحضور فتى كان ذا فضل يصول بفضله * وليس له من مشبه ونظير وقد كان ذا فضل وحسن بلاغة * ونظم كدرّ في قلائد حور
--> ( 1 ) أي محكمة الأسباب سديدة . القاموس .